الحركات الاسلامية والسياسة
كتبهاjabaoui omar ، في 9 سبتمبر 2008 الساعة: 16:42 م
عرضتُ في المقال السابق مختلف التوجهات السائدة لدى الحركة الإسلامية العالمية من السياسة والعمل السياسي، ورأينا أن تلك التوجهات تتراوح بين توجه ينأى عن السياسة ويهجرها، وآخر ينشغل بالسياسة دون أن يشتغل بها، وثالث يشتغل بالسياسة ويجعلها جزءا من الدعوة أو فرعا من فروعها، ورابع اختار الدخول المباشر في السياسة والتخصص في ممارساتها وتبعاتها.
واليوم أتطرق -بالإيجاز الذي يحتمه المقام- إلى تجربة المشتغلين بالسياسة، وبصفة خاصة إلى بعض الإشكالات النظرية والعملية التي يعانون منها.
قضية الشمولية والتخصص
انطلاقا من فكرة «شمولية الإسلام»، التي ذكرتُها من قبل، تمسكتْ بعض الحركات الإسلامية بالممارسة الشاملة لكل أوجه النشاط الدعوي والثقافي والسياسي والنقابي والاجتماعي، وتسيير ذلك كله من خلال تنظيم الجماعة وقيادتها. والنموذج البارز هنا هو جماعة «الإخوان المسلمون». فبناء على فكرة الشمولية التي عبر عنها الشهيد حسن البنا رحمه الله، في قولته الشهيرة: الإسلام دين ودولة، عقيدة وعبادة، خلق وقوة، مصحف وسيف … تمسكت الجماعة -وخاصة في التجربة المصرية- بنموذج العمل الإسلامي الشامل الموحد المندمج، ورفضت بصفة خاصة أي فصل أو استقلال للعمل العمل السياسي عن عملها الأصلي الجامع، فبقيت تمارس الكل في الكل. وهي الفكرة المهيمنة والمتبعة داخل حركة المقاومة الإسلامية «حماس»، فهي حركة مقاومة مسلحة، وهي حركة دعوية تربوية، وهي عمل نقابي، وعمل اجتماعي، وهي حزب سياسي، يخوض الانتخابات ويشكل الحكومة… فالكل داخل «حماس» وتابع لقيادة «حماس»!
ولقد دلت التجارب المتعددة، على فشل هذا النمط وعجزه وعدم صلاحيته للأعمال الشعبية، التي تحتاج إلى كثير من خفة الحركة، وسرعة المبادرة، والتدبير الذاتي، والاستقلالية في القرار، والقدرة على التأقلم مع ميدان العمل وطبيعته…
وقد يكون من الدوافع المقوية لفكرة التمسك بالعمل الشمولي الممركز، هاجس الخوف من «الانفلات والانفصال». وأنا أعتقد أن «الانفلات» المنظم المؤسس، وفي إطار التخصص المسؤول، خير من الانفلات المتمرد، وخير من التعقيد والتركيز، المفضيين إلى العجز والجمود…
والعمل السياسي -بصفة خاصة- عمل ضخم وشاسع ومتنوع، فهو مفتوح على مجمل المشاكل والمتطلبات الداخلية والخارجية للدولة وللمجتمع. ويحتاج إلى تفرغ وتخصص، ويحتاج إلى استقلالية ومرونة… والتجارب القائمة على إلحاقه وتبعيته للعمل الدعوي، أو على اندماجه معه في هيئة واحدة وتدبير واحد، كلها عانت وتعاني من مشاكل عويصة أوصلتها إلى الانسداد والجمود…
قضية العالمية والوطنية
هذه القضية أيضا من القضايا الملتبسة والمرتبكة، لدى الحركات الإسلامية. فمن جهة يؤمن جميع المسلمين -فضلا عن الحركات الإسلامية- بأن المسلمين أمة واحدة، وأن المؤمنين إخوة… ومن جهة أخرى، فالمسلمون الآن يعيشون في حوالي ستين دولة. لكل منها وطنيتها وقوميتها وهويتها التي تحرص على ترسيخها وتلميع خصوصياتها، وعلى شحن جميع مواطنيها بها.
والحركات الإسلامية مهمومة بوحدة الأمة وما أصابها من تفتيت وتمزيق، وما هو جارٍ من ذلك وما هو آت… فهي تريد أن تفعل ما يمكن لأجل هذه الوحدة، ولأجل مواجهة المزيد من التمزيق والتفريق بين المسلمين. وتريد أن تكون هي بنفسها تجسيدا، ولو رمزيا، لهذه الوحدة. فلذلك بعضها أصبح حركات عابرة للحدود الوطنية، أو عابرة حتى للقارات. وبعضها يقيم روابط وعلاقات تنظيمية أو تنسيقية، خارج حدود الوطن، وبعضها يكتفي بالتشاور والتزاور، والتعبير عن مشاعر الأخوة والوحدة…
ولكن حينما يدخل العمل السياسي والمنافسة السياسية والخصومة السياسية على الخط، تصبح هذه الروابط والعلاقات والاتصالات الإسلامية العالمية، مثارا للشبهات والاتهامات، والمحاكمات والإدانات.
فالسلطات التونسية -مثلا- حاولت استئصال حركة النهضة، واصفة إياها بكونها حركة «إخوانجية»، ذات تبعية خارجية وأجندة خارجية.
وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، قامت السلطات بالتجميد والحصار للتيار الإخواني، بتهمة انخراطه وتبعيته لحركة عالمية تسعى إلى إقامة الخلافة…
وحزب الله اللبناني، أكثر ما يتهم به ويعاب عليه، هو علاقته المذهبية والسياسية بإيران، حتى إن البعض يجردونه من لبنانيته، ويعتبرونه حزبا إيرانيا…
ومثل هذه الاتهامات والمعاناة كثيرة في دول عديدة أخرى… وهي في جميع الأحوال تشكل ضررا وإعاقة للعمل الإسلامي عموما، وللعمل الإسلامي السياسي خصوصا. والحل في نظري ليس في التراجع عن مبدأ الأمة الإسلامية والوحدة الإسلامية، ولا هو في التمادي على الصورة الحالية، صورة التنظيمات العالمية، وإنما هو في وضع صيغة متوازنة واضحة، تجمع بين تأكيد الاستقلالية والانتماء الوطني من جهة، والتعبير المناسب عن الإيمان والتمسك بالوحدة الإسلامية والأخوة الإسلامية، من جهة أخرى. ثم إعلان هذه الصيغة، وممارستها بكامل الشفافية والعلانية.
ولـمَ لا تقوم الحركات والأحزاب الإسلامية، بتأسيس «الأممية الإسلامية للتشاور والتنسيق»، وتكون بديلا عن التنظيمات العالمية، وعن الارتباطات التنظيمية الدولية، وبديلا أيضا عن العزلة والتقوقع والخوف من الاتهامات والملاحقات، مع أننا في عالم يزداد انفتاحا وتفاعلا وترابطا يوما بعد يوم.
بين التدافع الكلي والتدافع الجزئي
من الإشكالات الكبيرة التي تعاني منها الحركات الإسلامية السياسية، بل تعاني منها دول إسلامية كثيرة، واقع الصراع والتدافع بين هذه الحركات الإسلامية، والأنظمة الحاكمة، الرافضة لها، وخاصة حينما يصبح التدافع بين الطرفين كليا ومصيريا، بمعنى أن كل طرف يريد القضاء على الآخر.
ولا أريد الدخول في تأييد هذا الطرف أو ذاك، ولا السعي إلى تحديد الظالم من المظلوم في هذه الحالة أو تلك. ولكنني أذكر وأقول: إن الشرع قد أعفانا ولم يوجب علينا مصارعة أي حاكم مسلم، ولا أي نظام حكم قائم مستتب، ولم يكلفنا بالعمل على إزاحة حاكم عن منصبه، إذا كان متمسكا به قائما بشؤونه، بل نهانا عن ذلك وحذرنا من فتنته وسوء عواقبه، وخاصة إذا دخل فيه عنصر العنف والدم…
ولكنه لم يعفنا من النصح وقول كلمة الحق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتعاون على البر والتقوى، والمبادرة إلى الإصلاح والتغيير بالتي هي أحسن، بدون فتنة ولا بغي ولا دماء… وهذا هو ما عنيته بالتدافع الجزئي المشروع.
صاحبة السلطة والحكم، أو المشاركة فيهما، أن تكون مستعدة منطاعة للتخلي عن سلطتها، وتسليمها إلى غيرها، طبقا للشرعية القانونية الديمقراطية المتبعة، حتى ولو كان هذا التسليم لجهة مخالفة أو مناوئة.واليوم تتجه معظم دول العالم، وضمنها دول العالم الإسلامي، إلى التوافق حول أسلوب التغيير الديمقراطي السلمي، والتداول السلمي للسلطة، وإلى رفض الاستيلاء على السلطة بالقوة، أو الاحتفاظ بها بمجرد القوة… فأنعِمْ بهذا الاتجاه وأكرم. فلنكن جزءا منه، إذا لم نكن في طليعته.
نعم قد يكون هذا التوجه غير صادق أو غير جدي، عند هؤلاء أو هؤلاء، وقد يكون متباطئا وعلى مضض عند الأكثرين. ومع ذلك ففيه خير ومخرج.
على أن ما ينبغي التمسك به بلا هوادة، هو أن تكون الأحزاب الإسلامية
وأنا على يقين أن خروج أي حركة إسلامية أو حزب إسلامي أو رئيس إسلامي من السلطة، بمقتضى عملية ديمقراطية نزيهة، سيكون يوم نصر للإسلام والمسلمين والحركة الإسلامية، لا يقل أهمية عن يوم فوزهم ودخولهم إليها…
وبعض إخواننا الذين وصلوا إلى السلطة، يتصورون أن زوالهم أو تنحيهم عنها، سيشكل كارثة على البلد، وعلى الإسلام والمسلمين. وأنا أقول: إن العكس أقرب إلى الصواب. فبقاؤهم بأي ثمن وبأي وسيلة، هو عين الكارثة والأنانية والغرور. وتنحيهم بالتي هي أحسن، خدمةٌ للإسلام وللحركة الإسلامية، أيُّ خدمة!
قضية الاجتهاد والتجديد
هذه قضية أخرى من القضايا المستعجلة والملحة أمام الحركة الإسلامية، وخاصة منها المشاركة في العمل السياسي. وهي قضية الاجتهاد والتجديد في مجمل القضايا المستجدة في حياتنا وفي عالمنا المعاصر. فوجود برنامج تأسيسي، أو برنامج انتخابي، أو مخطط مرحلي، أو مجموعة من المواقف والبيانات في جملة من القضايا السياسية أو الاقتصادية… لا شيء من هذا يخول لأصحابه أن يتصدوا لمعالجة الشؤون العامة لبلدهم ولمجتمعهم، وحملِ مسؤولياتها وأعبائها وتبعاتها.
والحركات والأحزاب الإسلامية لا يسعها التخلي عن مرجعيتها الإسلامية، أو التملص من التزاماتها الإسلامية، عند توليها مسؤولية الشأن العام، ولكن أيضا لا يسعها السير وتسيير الأمور باجتهادات الفقهاء القدامى، ولا حتى المـحْدَثين، وإن كانت الاستفادة من الجميع واجبة ولا مفر منها، بل لا بد لها -منفردة أو مجتمعة- أن تكون لها اجتهادات ومؤسسات اجتهادية، ذات أهلية علمية وفكرية كاملة، وذات متابعة وخبرة بمجريات الأمور ومتطلباتها.
الحركات والأحزاب الإسلامية، المتقدمة لتدبير الشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية لبلدها، إذا لم تكن قادرة على تقديم الأحسن والأنفع والأرقى، فخير لها ولدينها وأمتها، أن تعتزل هذا الشأن، وتشتغل بالدعوة والتربية والتعليم…
وسأعود إلى مسألة الاجتهاد في حلقات قادمة إن شاء الله تعالى.
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
![]()
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قرات لكم | السمات:قرات لكم
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























"
سبتمبر 15th, 2008 at 15 سبتمبر 2008 3:27 م
غدا ستنطلق حلقات المسلسل المغربي الراجي خلف القضبان ، مسلسل يتابع فيه مدون عشق الحرف وأغرم بالكتابة بتهمة الإخلال بالإحترام الواجب للملك ، وهي تهمة خولت لصاحب مدونة مرحبا بكم في عالم محمد الراجي سنتين سجنا نافذا وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم ، قبل أن يتصدع جدار المخرج الفني لهذا المسلسل ويعلن عن سراح مؤقت للبطل إسكاتا للأفواه ودرءا للمفاسد والمصائب التي قد تنتج جراء تحرك المدونين وتكلم الجمعيات الحقوقية وتأجج أنوار ونيران التضامن …
ويسر مدونة فـك القــــــيد وهي تتضامن مع محمد الراجي في محنته أن تستطلع آراء المدونين والمدونات وكل من يهتم بأمر التدوين حول مصداقية وشرعية هذه المحاكمة
فكيف تنظرون لهذه المحاكمة ؟؟؟
وهل ترون أن محمد الراجي فعلا أخل بالإحترام الواجب للملك ؟؟؟