حوار متميز حول القراءات الحديثة للقران الكريم..
كتبهاjabaoui omar ، في 27 أبريل 2007 الساعة: 21:31 م
ما هي أهم أفكار ومرتكزات القراءات الجديدة للقرآن الكريم؟
القراءات الجديدة، التي هي في الأصل ثقافة علمية غربية انطلقت من قراءة النص المقدس منذ عصر النهضة أواسط القرن السادس عشر ثم انتقلت منه إلى نصوص أدبية وفكرية وتراثية يونانية وإغريقية. القاسم المشترك بين هذه المناهج، أنها قامت على أساس اضطراب النصوص أي بشريتها، وأن الإنجيل والتوراة قد دونتا بيد إنسانية. وما تبقى من النصوص فهو أصلا منسوب إلى أصحابه من بني البشر. ولهذا فهذه المناهج سواء منها: المنهج الفينولوجي أو المنهج الفينومينولوجي أو المنهج الهيرمينوطيقي أو المنهج البنيوي أو المنهج التفكيكي، كلها مناهج تنطلق من تطبيق العلوم الإنسانية على النصوص الدينية نازعة عنها القدسية، ومؤمنة بنسبية المعنى، وشاكة في موثوقية التدوين، ومعطية مجالا أوسع للتأويل، ودورا أكبر للقارئ والشارح في إعادة إنتاج النص. بعبارة أخرى، يصبح النص ذا مصدر بشري، وسياق بشري، ومآل بشري.
ثم إن المناهج الحديثة الغربية التي تطورت بعد القرن التاسع عشر، أي في القرن العشرين أصبحت أكثر جرأة في نزع المعنى وفي تحطيم السياق وفي تفكيك العلاقات القائمة بين العبارات وفي التأويل البعيد المغرض لقلب النوايا وعكس المقاصد، والبحث في طرق ملتوية لإنتاج معنى جديد في سياق جديد لا علاقة له البتة بالسياق الذي أنتج فيه النص ومعناه الأول.
ومن خطورة هذه المناهج أنها لم تبق مقصورة على نصوص غربية وإلا لكان الإنسجام هنا حاضرا ومقبولا، لكن تم نقلها إلى القرآن الكريم بالخصوص. ويبقى السؤال لماذا القرآن من دون النصوص الأخرى؟ كنصوص البوديين والهندوس والنصوص الأدبية والفكرية؟ ولماذا التركيز سواء من قبل الأوروبيين أو من أتباعهم المتغربين من المسلمين على أن تطبق هذه المناهج بالضبط على القرآن ؟ كل ذلك يقع من غير شك لنزع القدسية عنه وللتشكيك في مصدره المتعالي ولقياسه على النصوص البشرية بل ولوصمه بوصمات الدونية لا يرضاها منصف لمؤلف من البشر، فكيف بكتاب رب العزة.
ماهي آثار هذه المناهج عندما نجعلها أساسا لتكوين علماء الشريعة؟
هذه مفارقة ما كنت أحسب أنني سأحيى إلى زمن أسمع فيه هذا الذي يجري في بلادنا وفي العديد من بلاد المسلمين، كيف يعقل أن تصبح هذه المناهج النسبية وهذه المناهج الجزئية وهذه المناهج التي في الغالب لا تحترم حتى منطلقاتها ولا تلتزم حتى بمبادئها مرتكزا لتكوين علماء المستقبل في شريعة الإسلام؟ كيف تصبح هذه المناهج وهي في عرف أصحابها تنتج معاني لا نهائية وتنتج معانى مؤقتة ولا وجود لمعنى أصلي فيها ولا لمعنى نهائي ولا لمعنى نواة ولا معنى حتى لمقصد المؤلف أو الكاتب بالنسبة للقرآن لمقصد الشارع أو مقصد رب العزة ؟
فهذه المناهج ترفض أن تطرح سؤال: ما مقصد منتج النص لأن منتج النص الحقيقي عندهم هو الذي يتناوله وهو الذي يتلقاه. وفي هذا الإطار توسعت نظريات التأويل والتلقي والتفكيك والقراءة الهرمنوطيقية، ووجه طلبة المسلمين، الذين يدرسون في الجامعات الغربية إلى هذه المناهج لتطبيقها في البداية على بعض النصوص الأدبية وعلى بعض نصوص التراث ثم تم تحويلها بعد ذلك إلى القرآن الكريم وإلى السنة النبوية الشريفة. والأمر الآن أصبح أخطر، فلم يعد الأمر يقتصر على طلبة المسلمين الذين يشدون الرحال إلى هذه الجامعات، وإنما شدت هذه المناهج الرحال إلى جامعاتنا، وفي البداية كان وصولها اختياريا عن طريق النخبة المتغربة التي درست هناك ثم نقلت هذه المناهج إلينا، لكن مؤخرا لاح في الأفق برنامج سياسي أمريكي غربي مفروض ومشروط في إطار سياسة القهر والعولمة،وتحت مسميات الإصلاح، ومن ذلك إصلاح مناهج التعليم.
وطبق ذلك في بلاد كثيرة ومنها بلاد المغرب حيث بدأ الحديث عن إعمال المناهج الحديثة في تفسير النص القرآني، بل وغيرت حتى المصطلحات، فالقرآن لم يعد اسمه القرآن بل اسمه المدونة الكبرى، والسبب المرتبط به نزول الآية أو الآيات أصبح يسمى الواقعة القرآنية، و تم إحياء كل ما كتبه المستشرقون وكل ما نفثوه من أحقاد طيلة ثلاثة قرون، كل ذلك يتم الآن إعادة إنتاجه وتقديمه بلغة جديدة، وحذلقة جديدة، ومناهج تسمى جديدة.
ويراد الآن إلغاء مناهج التفسير وعلوم التفسير وعلوم القرآن في جامعاتنا الإسلامية ومعاهدنا الدينية والشرعية، وإحلال هذه المناهج مكانها ليصبح النص القرآني عرضة لعبث من هب ودب، ولكي تسري روح الفوضى عليه، والضياع واللامعنى، نسأل الله العافية وحسن الخاتمة.
في هذا السياق أقدمت وزارة الأوقاف على استدعاء أحد الأمريكيين وكلفته بوضع منهاج لتكوين طلبة دار الحديث الحسنية، ويحتوي على الثلثين من المواد ذكر الوزير نفسه أنها في سياق التفتح ويشمل عددا من اللغات القديمة والحديثة وكذا المناهج الحديثة وخصص الثلث فقط للعلوم الشرعية وربما بدورها بمناهج لا تخلو من مقال. في نظركم هذا التحول الذي تعرفه مؤسسة دار الحديث الحسنية إلى أي شيء يرمز وما هي دلالته؟
إنه لشيء مؤسف ومخيف بل ومرعب، أن نكل مصائرنا إلى مثل هذه الاختيارات الانتحارية، القائمة في الجوهر إذا ما أزلنا الحذلقة والتبرير على الخضوع للضغوط الأجنبية. ما معنى أن يأتي أمريكي لكي يعلمنا في دار الحديث الحسنية مناهج التدريس ولكي يملي على أساتذتنا ما سوف يملونه على طلبتنا؟ وما معنى أن يتم التستر على هذه المناهج وعدم نشرها للجمهور وكأن الأمر سر من الأسرار العسكرية أو الاستخباراتية؟ ألا يحق للشعب المغربي المسلم وعلمائه وممثليه في البرلمان ومجتمعه المدني الغيور على دينه أن يعرف حقيقة هذه المناهج التي سيتكون عليها غدا من يفتي ومن يقرر ومن يدرس؟
إذا كنا اليوم نعاني مع قلة من المتغربين درسوا عند المستشرقين في الجامعات الأوروبية وتخرجوا من بعض الشعب التي تسمى شعب الدراسات العربية الإسلامية وجاءوا مشحونين بكثير من الشكوك والأسئلة والطعون والافتراءات وبكثير من الجهل بالمقومات الأساسية للعلوم الشرعية، فكيف يكون الأمر إذا أصبحنا أمام أفواج من طلبتنا ينهلون من نفس المعين في عقر ديارنا؟
بل وكيف يكون حالنا مع انقراض هذا الجيل الملقح والذي يواجه مثل هذه التيارات وهو إلى انقراض لأنها سنة الله في الكون، هذا الجيل من العلماء الذين تكونوا بالطرق التقليدية وتشربوا العلوم الإسلامية من منابعها الصافية ومن مصادرها الأصلية، كيف إذا انقرضوا ولم يبق إلا هذا المسخ الذي يراد تخريجه بهذه المناهج الماسخة والممسوخة.وإن هذا ما يراد للمغرب وما تريده أمريكا، وللأسف فإن السياسات العليا في المغرب منبطحة للتوجيهات الأمريكية والأوامر الأمريكية، وليس غريبا أن ينخرط المغرب في برنامج الشرق الأوسط الكبير، وليس غريبا أن يستضيف منتدى المستقبل، وليس غريبا أن يصبح بلدنا الآن هو موضوع تطبيق وتجريب كل ما تريد أمريكا أن تعممه على العالم الإسلامي حتى إن الدوائر العليا الأمريكية لتمدح السياسات الرسمية المغربية لأنها متعاونة وأنها طليعة التغيير، وتعتبرها قدوة لباقي الشعوب العربية الإسلامية.
فهل يعقل أن ينتقص لطلبة العلوم الشرعية الجزء الأوفر من المواد الأساسية كالتفسير والحديث والأصول والفقه ؟ وهذا التغيير نفسه هو ما بلغنا عن مقررات جامعة القرويين مما اضطر كثيرا من الطلبة أن يغادروها غاضبين ليعودوا إلى بيوتهم لأنهم لم يجيئوا ليتعلموا الهرمينوطيقا ولم يأتوا ليتعلموا الإنجليزية والفرنسية والحاسوب حتى وهذه المعارف مهمة ولكن لا ينبغي أبدا أن تكون على حساب العلوم الشرعية.
فهل يعقل مثلا أن تمحو كلية الطب من مقرراتها مواد طبية أساسية كالتشريح والجراحة والطب الباطني وتعوضه بعلم الاجتماع والاقتصاد بحجة أن الطبيب عليه أن يعرف كيف يتعامل مع المريض، وكيف يسير عيادته، وأي جامعة في الدنيا ستقبل طبيبا لم يدرس من العلوم الطبية إلا القليل ودرس الكثير من العلوم الزائدة التي ليست هي الأصل في تكوينه بزعم أنه يحتاج إليها لكي يكمل مهمته؟
لماذا لا يقبل في كل تخصص إلا أن تدرس فيه العلوم النواة والعلوم الأساسية والعلوم الرئيسية التي بدونها لا يكون الطبيب طبيبا ولا يكون المهندس مهندسا ولا يكون اللساني لسانيا ولا يكون المؤرخ مؤرخا ولا يكون الميكانيكي ميكانيكيا، ثم يؤتى بالعلوم الشرعية لكي تتعاور عليها أيدي الصليبيين والصهيونيين وتابعيهم في بلاد المسلمين فيحذف من هذه العلوم الجوهر في الموضوع والجوهر في المضمون والجوهر في المنهج، و يزاحم عقل الطالب ووقته وجهده وذاكرته بمعارف أخرى ليس بالضرورة بالمرة أن يكون ملما بها كاللاتينية واليونانية والإغريقية والعبرية، هل يعقل أن يصبح الفقيه لكي يفتي خبيرا في الفيزياء والكيمياء والفلك والرياضيات وعلوم اللغة؟ هل لكي يعرف معرب القرآن عليه أن يدرس العلوم اللغوية لكل اللغات السامية التي منها كلمات في القرآن؟
إن الفقيه مثل غيره ينحاز إلى تخصصه ويتكون فيه ويتعمق فيه ويرسخ لديه ثم إذا احتاج إلى أي خبرة عند لغوي أو رياضي أو طبيب أو عالم نفس أو اقتصادي استفاد منه.
وإننا في زمن تكامل العلوم وانفتاح العلوم وتكامل المناهج وانفتاح المناهج وكما أن الطبيب قد يستشير الفقيه في بعض الجوانب دون أن يحتاج هو إلى ترك الطب ودراسة الفقه فإن الفقيه سيستشير الطبيب في بعض الجوانب دون أن يضع كراسة الفقه وينغمس في دراسة الطب.
ماذا تقترحون من سبل مواجهة مثل هذه المخططات؟
للأسف الشديد المواجهة صعبة، والسبب أن الذين يقومون على هذه الأنشطة وعلى هذه التوجهات وعلى هذه التصرفات المريبة هم رعاة الجهاز التنفيذي هم المدبرون لمصير هذا الشعب المسكين في هذه المرحلة الحرجة التي تطبعها العولمة والقولبة والإكراه الثقافي، ويتنبأ فيها معارضو العولمة من أمثال تشومسكي وجون كلود تشوزني والمهدي المنجرة بأن 50 سنة القادمة ستشهد إبادة أكثر من 80 ثقافة ولغة وهوية.
والهوية العربية الإسلامية مرشحة أن تكون ضمن هذه الثقافات الثمانين التي سوف تمحى إذا لم ينتصب الغيورون لأخذ زمام الأمور. أنا أدعو من هذا المنبر النواب البرلمانيين وأنا واحد منهم وممثلي الأمة إلى أن يقفوا وقفة قوية جريئة حازمة ضد هذا العبث؟
وأدعو ثانيا العلماء ألا يسكتوا فهذه محطة إذا سكتوا فيها سيكونون هم المعنيون بالساكت عن الحق شيطان أخرص. ماذا بقي في هذه الدنيا من تغيير وإفساد لم يحدث حتى يتكلم العلماء، تغيرت كل الميادين وأفسدت كل المجالات وهم يصمون آذانهم ويستغشون ثيابهم ويغمضون عيونهم والآن دخل عليهم الفساد معقلهم ووصل الخطر إلى عرينهم والعدو يعبث بتلاميذهم، والأمر يتعلق الآن بمؤسساتهم وتخصصاتهم ودورهم، فإذا لم يتكلموا اليوم فمتى يتكلمون؟
ثم ثالثا: المجتمع المدني الغيور من الجمعيات والمنظمات التي همها حماية مصالح المواطن. هل يعقل أن تكون لدينا جمعيات لحماية المستهلك من ما يدخل بطنه ولا تكون لدينا جمعيات وهيئات لحماية المستهلك من ما يدخل عقله ويفسد عليه روحه وهويته؟
ما هو تقييمكم لملتقى فكيك الثالث للقراءات الجديدة، وما هي في نظركم سبل تفعيل الأعمال وتوصياته؟
أريد هنا أن أشيد بهذا الملتقى وبمنظميه وبفكرته وبالغيرة الواضحة لدى مؤسسيه ومسيريه، كما أريد أن أنوه بالمستوى العلمي للأساتذة الذين ألقوا عروض علمية أكاديمية تخصصية دقيقة في كثير من هذه المناهج الفينولوجية والأنثروبولوجية والاجتماعية والهرمنوطيقية وغيرها فكشفوا للناس من موقع التخصص ومن موقع المعرفة الدقيقة وليس فقط من موقع الغيرة على الإسلام عاطفيا، كشفوا خطر هذه المناهج وخطر ظلالها وعدم صلاحيتها حتى لما طبقت عليه أصلا وحتى للبيئة التي انطلقت منها ابتداء.
فالآن الغربيون أنفسهم يهاجمون التفكيكية ويعتبرونها منهج اللامعنى، ومنهج موت المعنى ومنهج قتل المعنى. ويرفضون أن يعتدى على تراثهم حتى الأدبي وحتى المعاصر منه بإعمال المناهج التفكيكية التي لا تبقي للنص أي وجه ولا أي شكل ولا أي لون ولا تبقي فيه أية فكرة رئيسية، إذا كان الغرب الآن يواجه التفكيكية باعتبارها رمزا للإفلاس الروحي والحضاري فكيف الأمر بالنسبة لمن يريدون تطبيقها على القرآن الكريم وعلى السنة النبوية الشريفة.
وأتمنى أن يخرج هذا الملتقى الثالث من الجدران الأربعة التي حبس فيها، ويتم نقل فعاليات هذا النشاط إلى مدن أخرى كالرباط والدار البيضاء وغيرهما، وكذا العناية بطبع هذه الأعمال وإصدارها في كتب و نشر ملخصاتها الأكاديمية في المجلات العلمية و الجرائد الوطنية وتخصيص موقع إلكتروني لهذا الملتقى المبارك، وأن تتحول توصيات الملتقى إلى مخطط عملي، ويتم إرسال تلك التوصيات إلى كل الجهات المعنية لتوضع أمام مسؤولياتها، ويبين لها هذا الخطر الداهم. وأتمنى أن يكون موضوع الملتقى القادم بحول الله حول النظريات والمناهج الجديدة لقراءة القرآن الكريم والتي أبدعت من داخل النص القرآني ومن داخل الثقافة الإسلامية.
حاوره محمد بولوز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : حوارات مميزة | السمات:حوارات مميزة
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























"