ما هي أهم أفكار ومرتكزات القراءات الجديدة للقرآن الكريم؟
القراءات الجديدة، التي هي في الأصل ثقافة علمية غربية انطلقت من قراءة النص المقدس منذ عصر النهضة أواسط القرن السادس عشر ثم انتقلت منه إلى نصوص أدبية وفكرية وتراثية يونانية وإغريقية. القاسم المشترك بين هذه المناهج، أنها قامت على أساس اضطراب النصوص أي بشريتها، وأن الإنجيل والتوراة قد دونتا بيد إنسانية. وما تبقى من النصوص فهو أصلا منسوب إلى أصحابه من بني البشر. ولهذا فهذه المناهج سواء منها: المنهج الفينولوجي أو المنهج الفينومينولوجي أو المنهج الهيرمينوطيقي أو المنهج البنيوي أو المنهج التفكيكي، كلها مناهج تنطلق من تطبيق العلوم الإنسانية على النصوص الدينية نازعة عنها القدسية، ومؤمنة بنسبية المعنى، وشاكة في موثوقية التدوين، ومعطية مجالا أوسع للتأويل، ودورا أكبر للقارئ والشارح في إعادة إنتاج النص. بعبارة أخرى، يصبح النص ذا مصدر بشري، وسياق بشري، ومآل بشري.
ثم إن المناهج الحديثة الغربية التي تطورت بعد القرن التاسع عشر، أي في القرن العشرين أصبحت أكثر جرأة في نزع المعنى وفي تحطيم السياق وفي تفكيك العلاقات القائمة بين العبارات وفي التأويل البعيد المغرض لقلب النوايا وعكس المقاصد، والبحث في طرق ملتوية لإنتاج معنى جديد في سياق جديد لا علاقة له البتة بالسياق الذي أنتج فيه النص ومعناه الأول.
ومن خطورة هذه المناهج أنها لم تبق مقصورة على نصوص غربية وإلا لكان الإنسجام هنا حاضرا ومقبولا، لكن تم نقلها إلى القرآن الكريم بالخصوص. ويبقى السؤال لماذا القرآن من دون النصوص الأخرى؟ كنصوص البوديين والهندوس والنصوص الأدبية والفكرية؟ ولماذا التركيز سواء من قبل الأوروبيين أو من أتباعهم المتغربين من المسلمين على أن تطبق هذه المناهج بالضبط على القرآن ؟ كل ذلك يقع من غير شك لنزع القدسية عنه وللتشكيك في مصدره المتعالي ولقياسه على النصوص البشرية بل ولوصمه بوصمات الدونية لا يرضاها منصف لمؤلف من البشر، فكيف بكتاب رب العزة.
ماهي آثار هذه المناهج عندما نجعلها أساسا لتكوين علماء الشريعة؟
هذه مفارقة ما كنت أحسب أنني سأحيى إلى زمن أسمع فيه هذا الذي يجري في بلادنا وفي العديد من بلاد المسلمين، كيف يعقل أن تصبح هذه المناهج النسبية وهذه المناهج الجزئية وهذه المناهج التي في الغالب لا تحترم حتى منطلقاتها ولا تلتزم حتى بمبادئها مرتكزا لتكوين علماء المستقبل في شريعة الإسلام؟ كيف تصبح هذه المناهج وهي في عرف أصحابها تنتج معاني لا نهائية وتنتج معانى مؤقتة ولا وجود لمعنى أصلي فيها ولا لمعنى نهائي ولا لمعنى نواة ولا معنى حتى لمقصد المؤلف أو الكاتب بالنسبة للقرآن لمقصد الشارع أو مقصد رب العزة ؟
فهذه المناهج ترفض أن تطرح سؤال: ما مقصد منتج النص لأن منتج النص الحقيقي عندهم هو الذي يتناوله وهو الذي يتلقاه. وفي هذا الإطار توسعت نظريات التأويل والتلقي والتفكيك والقراءة الهرمنوطيقية، ووجه طلبة المسلمين، الذين يدرسون في الجامعات الغربية إلى هذه المناهج لتطبيقها في البداية على بعض النصوص الأدبية وعلى بعض نصوص التراث ثم تم تحويلها بعد ذلك إلى القرآن الكريم وإلى السنة النبوية الشريفة. والأمر الآن أصبح أخطر، فلم يعد الأمر يقتصر على طلبة المسلمين الذين يشدون الرحال إلى هذه الجامعات، وإنما شدت هذه المناهج الرحال إلى جامعاتنا، وفي البداية كان وصولها اختياريا عن طريق النخبة المتغربة التي درست هناك ثم نقلت هذه المناهج إلينا، لكن مؤخرا لاح في الأفق برنامج سياسي أمريكي غربي مفروض ومشروط في إطار سياسة القهر والعولمة،وتحت مسميات الإصلاح، ومن ذلك إصلاح مناهج التعليم.
وطبق ذلك في بلاد كثيرة ومنها بلاد المغرب حيث بدأ الحديث عن إعمال المناهج الحديثة في تفسير النص القرآني، بل وغيرت حتى المصطلحات، فالقرآن لم يعد اسمه القرآن بل اسمه المدونة الكبرى، والسبب المرتبط به نزول الآية أو الآيات أصبح يسمى الواقعة القرآنية، و تم إحياء كل ما كتبه المستشرقون وكل ما نفثوه من أحقاد طيلة ثلاثة قرون، كل ذلك يتم الآن إعادة إنتاجه وتقديمه بلغة جديدة، وحذلقة جديدة، ومناهج تسمى جديدة.
ويراد الآن إلغاء مناهج التفسير وعلوم التفسير وعلوم القرآن في جامعاتنا الإسلامية ومعاهدنا الدينية والشرعية، وإحلال هذه المناهج مكانها ليصبح النص القرآني عرضة لعبث من هب ودب، ولكي تسري روح الفوضى عليه، والضياع واللامعنى، نسأل الله العافية وحسن الخاتمة.
في هذا السياق أقدمت وزارة الأوقاف على استدعاء أحد الأمريكيين وكلفته بوضع منهاج لتكوين طلبة دار الحديث الحسنية، ويحتوي على الثلثين من المواد ذكر الوزير نفسه أنها في سياق التفتح ويشمل عددا من اللغات القديمة والحديثة وكذا المناهج الحديثة وخصص الثلث فقط للعلوم الشرعية وربما بدورها بمناهج لا تخلو من مقال. في نظركم هذا التحول الذي تعرفه مؤسسة دار الحديث الحسنية إلى أي شيء يرمز وما هي دلالته؟
إنه لشيء مؤسف ومخيف بل ومرعب، أن نكل مصائرنا إلى مثل هذه الاختيارات الانتحارية، القائمة في الجوهر إذا ما أزلنا الحذلقة والتبرير على الخضوع للضغوط الأجنبية. ما معنى أن يأتي أمريكي لكي يعلمنا في دار الحديث الحسنية مناهج التدريس ولكي يملي على أساتذتنا ما سوف يملونه على طلبتنا؟ وما معنى أن يتم التستر على هذه المناهج وعدم نشرها للجمهور وكأن الأمر سر من الأسرار العسكرية أو الاستخباراتية؟ ألا يحق للشعب المغربي المسلم وعلمائه وممثليه في البرلمان ومجتمعه المدني الغيور على دينه أن يعرف حقيقة هذه المناهج التي سيتكون عليها غدا من يفتي ومن يقرر ومن يدرس؟
إذا كنا اليوم نعاني مع قلة من المتغربين درسوا عند المستشرقين في الجامعات الأوروبية وتخرجوا من بعض الشعب التي تسمى شعب الدراسات العربية الإسلامية وجاءوا مشحونين بكثير من الشكوك والأسئلة والطعون والافتراءات وبكثير من الجهل بالمقومات الأساسية للعلوم الشرعية، فكيف يكون الأمر إذا أصبحنا أمام أفواج من طلبتنا ينهلون من نفس المعين في عقر ديارنا؟
بل وكيف يكون حالنا مع انقراض هذا الجيل الملقح والذي يواجه مثل هذه التيارات وهو إلى انقراض لأنها سنة الله في الكون، هذا الجيل من العلماء الذين تكونوا بالطرق التقليدية وتشربوا العلوم الإسلامية من منابعها ا













