أبطال المقاومة الأمازيغية: فيرموس ( الحلقة 11)
الدكتور جميل حمداوي
تمهيـــــد:
لم تفرض الإمبراطورية الرومانية سيطرتها على أفريقيا الشمالية إلا بعد القضاء على الثورة الدوناتية وثورة الدوارين، ولكنها لم تنعم بسعادة الاستقرار وبحبوحة العيش في بلاد تامازغا بسبب اندلاع الثورات والفتن والقلاقل الأمازيغية في كل ربوع الممالك البربرية.
ومن أهم المقاومات التي عكرت الصفو على المحتل الروماني مقاومة فيرموس التي كانت أشد ضراوة ، وكانت من الأسباب غير المباشرة التي ساهمت في زوال الإمبراطورية الرومانية وانقراضها ، كما كانت من الأسباب التي جعلت الأمازيغيين يتراجعون عن المسيحية التي لم تحقق لهم مطالبهم السياسية والاجتماعية، ولم تحمهم من بطش الرومان وقهرهم وتجبرهم في الأرض. هذا ما جعل المقاوم الأمازيغي فيرموس يشعل نار الثورة على الوجود اللاتيني ، وذلك بتوحيد الأمازيغيين ونشر الفتن والاضطرابات داخل مناطق خط الليمس من أجل الاستقلال ونيل الحرية وتحقيق الهوية والكينونة الأمازيغية.
وسنحاول في هذه الدراسة أن نقدم قدر الإمكان تصورا عاما حول سيرة فيرموس وطبيعة مقاومته وتطورات ثورته العسكرية ونتائجها القريبة والبعيدة.
من هو فيرموس؟
ولد فيرموسfIRMUS الأمازيغي في شمال أفريقيا وبالضبط في نوميديا( الجزائر). وهو ابن رجل موري أفريقي مسيحي اسمه نوبيل ، وكان فيرموس شابا فتيا بالغا فضلا عن كونه قائدا شجاعا احتك كثيرا بالجيش الروماني، وتعرف عن قرب عن مؤهلاته القتالية والهجومية والدفاعية. وتعني كلمة فيرموس في الإيطالية القوي الشجاع. وكان لفيرموس أخوان هما: جيلدون Gildon الذي عينه قائدا في جيشه، وسماك Sammmaque الذي أعدمه فيرموس؛ لكونه جاسوسا وحليفا للرومان وخائنا لبلده.
ومن ثم، فقد تخلى فيرموس عن جنسيته الرومانية ليخدم وطنه ويدافع عن الكينونة الأمازيغية والهوية البربرية. واستطاع بمقاومته الشرسة أن يسحق الجيوش الرومانية خلال عامين متواليين منذ 369 م. ولكن أخاه جيلدون باعه للرومان، فقتل فيرموس سنة 375م.
تطور مقاومة فيرموس:
لم تظهر ثورة فيرموس الأمازيغي إلا بعد تدهور الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، وتمادي القوات الرومانية في استعمال الشطط والتعسف ، ونهج سياسة الاستغلال والنهب والسيطرة على كل خيرات الأمازيغيين وممتلكاتهم، وطرد الضعفاء والفقراء والمعدمين خارج خط الليمس، وتتبع المقاومين بالتنكيل واستخدام القوة. فقامت القوات الإيطالية بتشتيت الحركة الدوناتية والقضاء على ثورة الدوارين الاجتماعية. وأعدت كل قواتها للتدخل السريع لمجابهة الأفكار التحررية والثورات الانقلابية التي تطالب بطرد الرومان ومحاربة القوات الغازية:" وأحس الرومان بمفعول هذه المبادئ الثورية في عقول الأهالي، فراحوا يضطهدونهم ويعذبون كل من سولت له نفسه أن ينتحل المسيحية دينا، فساءت الحالة السياسية في البلاد، ومما زاد في الطين بلة اضطراب الحالة الاقتصادية وهبوط مستوى المعيشة تبعا لتعدد القلاقل واضطهاد الأهالي الآمنين. ولم يلبث الإمبراطور قسطنطين أن يتفطن لخطورة الموقف، فيوطد العزم على جعل حد لتلك الحالة المنكرة، ويعتنق الدين المسيحي هو نفسه، وتصبح بذلك للديانة المسيحية صبغة رسمية".1
ولكن الأمازيغيين لم يستفيدوا من مبادئ الدين المسيحي الجديد بسبب الظلم الذي نهجه الجيش الروماني تجاه سكان تامازغا عن طريق استعبادهم وتذليلهم واستغلال ثروات البرابرة وخيراتهم، كما أنهم مارسوا عليهم الظلم والبطش باسم المسيحية وقانون السلام الذي كان يدعو إليه الإمبراطور قسطنطين. فكانت النتيجة الطبيعية لهذا الاستلاب الديني ولهذا الحيف الكبير، أن ارتد الأمازيغيون عن المسيحية لينضموا بعد ذلك إلى صفوف جيش فيرموس الذي أعلن تمرده عن العاصمة المركزية ، وحمل السلاح في وجه الجيش الروماني من خلال التشبث بالهوية الأمازيغية والدفاع عن اللغة المحلية والكتابة البونية ومحاربة سياسة المسخ والرومنة.
وهكذا نجد أن الإمبراطور الروماني لم يهتد فعلا إلى " مواطن الداء من ذلك الجسد المريض، ولم يعمل على التخفيف مما كان يعانيه الأهالي من آلام وأسقام، فبقيت حالتهم المادية والاجتماعية كما كانت، وظل الرومان يسخرونهم لمصالحهم الشخصية… وبعد الصبر الجميل تطير حمية البربر، فيعرضون عن الديانة المسيحية التي كانوا يرجون من ورائها قبل ذلك تحقيق مطالبهم السياسية، ولم تلبث أن تنتشر الفتنة في طول البلاد وعرضها على يد الزعيم فيرموس…الذي راح يجوب البلاد طولا وعرضا لإحياء ضمائر المواطنين، ويتولى بنفسه تنظيم المظاهرات ضد روما التي أرادت أن تبتلع شعبا بربريا بأسره وتقضي على شخصيته وآماله.".2
هذا، وقد قام فيرموس بتوحيد الأمازيغيين وجمع شمل القبائل والعشائر واسترضاء ساكنة الولايات والممالك الأمازيغية في شمال أفريقيا لتكوين جيش بربري موحد يستطيع من خلاله القائد فيرموس التصدي للقوات الرومانية ومجابهة الاحتلال اللاتيني.
ولم تظهر مقاومة فيرموس في الحقيقة إلا بعد موت قسطنطين الأكبر وانشقاق الكنيسة المسيحية داخل الإمبراطورية الرومانية بصفة عامة ونوميديا بصفة خاصة. وفي هذا الصدد يقول الأستاذ إبراهيم حركات:"وقد اشتهر قسطنطين الأكبر بعدالته وحزمه إلى جانب تسامحه الديني، حيث أباح للناس اعتناق المسيحية بمحض إرادتهم. بيد أن أسقف نوميديا حاول الاستقلال عن الكنيسة الرومانية. وهكذا بدأ الانشقاق داخل الأوساط المسيحية في وقت مبكر من تاريخ المومنين" بالثالوث".
وماكاد يموت قسطنطين الأكبر، حتى نشبت ثورات خطيرة داخل الشمال الأفريقي، حتى إن ثائرا من الجزائر سحق جيوش الرومان خلال عامين متوالين منذ سنة 369م، وهذا الثائر هو فيرموس الذي تخلى عن الجنسية لصالح وطنه."3
زد على ذلك أن ثورة فيرموس استمالت الدوناتيين المناهضين للحكم الروماني والكارهين للكنيسة الإقطاعية، فانضم إليها كذلك الدوارون الذين كانوا يدورون حول مخازن الحبوب لسرقتها من أجل البحث عن لقمة الخبز لتأمين حياتهم. ومن هنا، أصبحت ثورة فيرموس في منطقة نوميديا ثورة قومية أمازيغية كما يذهب إلى ذلك شارل أندري جوليان في كتابه "تاريخ شمال أفريقيا"، أي إن الذين شاركوا في هذه الانتفاضة العسكرية هم مقاومون أمازيغيون من مختلف التيارات والاتجاهات والمذاهب الدينية والاجتماعية، والهدف واحد هو طرد الرومان من تامازغا وقطع الإمدادات التموينية عليهم.4
ويقول الأستاذ محمد بوكبوط متحدثا عن هذا السياق التاريخي:" ففي سنة372م ، أدى تدخل قائد إفريقيا في النزاع بين أبناء أمير الحلف الخماسي إلى ثورة أحدهم وهو فيرموس معلنا الحرب ضد الرومان، فانضم إليه الدوناتيون والدوارون، فكانت ثورة اجتماعية قومية تحررية، إذ كانت زعامتها وقاعدتها أمازيغية، ولم تكتف قواتها بالإغارة على الضياع كما كان الشأن مع الدوارين، بل نجدها تستولي على شرشال عاصمة ولاية القيصرية وإيكوسيوم ( الجزائر)، كما دحرت الجيوش الرومانية في عدة معارك."5
وبعد أن سيطر فيرموس على شرشال والجزائر ومنطقة بومرداس، أعلن هذا القائد الشجاع ثورته رسميا سنة372م على حكومة روما، فامتدت نيرانها من شرشال غربا إلى سطيف شرقا. وكانت رد الفعل الروماني أن يضرب فيرموس بأخيه القائد جيلدون Gildon ، بعد أن أغرته روما بعدة امتيازات ترابية ووعدته بجوائز وغنائم كثيرة في حالة الانتصار على أخيه فيرموس والتصدي بالقوة للدوناتيين والدوارين المتحالفين مع أخيه.
وهنا نفهم جيدا بأن الرومان كانوا دائما عاجزين عن مواجهة القوات الأمازيغية بطريقة مباشرة ووجها لوجه، فكانوا دائما يضربون الأمازيغيين بالأمازيغيين، ولا يدخلون الحرب إلا بعد استنزاف القوات البربرية وتعب الجيوش المحلية وتشتت الجهود واشتعال الفتن والإحن والأحقاد بين ساكنة تامازغا. وبالتالي، يسهل على القوات الرومانية احتلال البلاد والسيطرة عليها وتطويق حركاتها التمردية، فيبدأون في التعذيب وإعدام الثوار والقواد والزعماء والتنكيل بالسكان وإحداث المجازر في حق النساء والشيوخ والصغار.
ويذهب محمد بوكبوط إلى أنه على الرغم من " إرسال إمدادات عسكرية لم يستطع الرومان إخماد الثورة إلا بشراء ضمائر بعض قواد فيرموس، باستغلال ثغرة أطماع أخيه جيلدون، فتآمر معهم ضد أخيه الذي انتحر سنة375م، مما أدى إلى تفكك حلف الثوار وتسهيل مهمة الرومان، فشنوا حربا لاهوادة ف
المزيد